افتتحت معظم أسواق الأسهم الأوروبية تعاملات الجمعة على انخفاض طفيف، وسط تقييم المستثمرين لبيانات متباينة عن القطاع الصناعي الألماني، وترقب أرقام مبيعات التجزئة في منطقة اليورو وتقرير الوظائف الأمريكية، بالتزامن مع استمرار المخاوف المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات مع إيران.
وجاء الأداء الحذر بعد تعافي الأسهم الأوروبية في الجلسة السابقة، عندما ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 0.5% عقب ثلاثة أيام متتالية من الخسائر، مستفيدًا من تراجع عوائد السندات العالمية وتحسن أداء أسهم التكنولوجيا. لكن القلق بشأن التضخم وأسعار الفائدة ظل حاضرًا مع بقاء خام برنت فوق 95 دولارًا للبرميل.
تراجع محدود للمؤشرات الأوروبية
استقر مؤشر «داكس» الألماني دون تغير يذكر عند افتتاح التداولات في نحو الساعة 07:00 بتوقيت غرينتش، بعدما جاءت بيانات طلبات المصانع أفضل من التوقعات، وإن كشفت تفاصيلها عن استمرار نقاط ضعف داخل القطاع الصناعي.
وانخفض مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بنسبة 0.22%، متأثرًا بتراجع سهم شركة «إكسبيريان» بنحو 2.49%.
وفي باريس، تراجع مؤشر «كاك 40» بنسبة 0.20%، مع انخفاض سهم شركة البرمجيات «داسو سيستمز» بنسبة 1.47%. كما هبط مؤشر «يورو ستوكس 50» بنسبة 0.24%، وقاد سهم «توتال إنرجيز» الخسائر بتراجعه 1.24%.
وتشير هذه التحركات المحدودة إلى غياب موجة بيع واسعة، لكنها تعكس إحجام المستثمرين عن بناء مراكز كبيرة قبل صدور مزيد من البيانات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية.
طلبات المصانع الألمانية ترتفع 2.5%
ارتفعت طلبات المصانع في ألمانيا بنسبة 2.5% خلال يوليو مقارنة بالشهر السابق، متجاوزة بفارق كبير توقعات المحللين التي أشارت إلى نمو لا يتجاوز 0.3%.
وعلى أساس سنوي، زادت الطلبات الصناعية بنسبة 13.1% بعد تعديلها وفقًا لاختلاف عدد أيام العمل. كما عدّل مكتب الإحصاء الاتحادي قراءة يونيو بالرفع، لتظهر نمو الطلبات بنسبة 3.7% بدلًا من التقدير الأولي البالغ 3.1%.
لكن القراءة الرئيسية القوية تحتاج إلى قدر من الحذر؛ إذ جاءت الزيادة مدفوعة بصورة شبه كاملة بطلبيات ضخمة في قطاع معدات النقل، الذي يشمل الطائرات والسفن والقطارات والمركبات العسكرية. وقفزت طلبات هذا القطاع بنسبة 126.4% خلال شهر واحد.
وعند استبعاد الصفقات الكبرى، تراجعت طلبات المصانع الألمانية بنسبة 1.4%، ما يعني أن التحسن لم يكن واسع النطاق بين مختلف الصناعات. كما هبطت طلبات قطاع السيارات بنسبة 12.5%، في إشارة إلى استمرار الضغوط التي تواجه واحدة من أهم الصناعات الألمانية.
وسجلت الطلبات المحلية زيادة قوية بلغت 9.1%، بينما انخفضت الطلبات الخارجية بنسبة 2.1%. وارتفعت الطلبات الواردة من دول منطقة اليورو بنسبة 12.1%، في حين تراجعت الطلبات من خارج المنطقة بنسبة 10.1%.
وهذه التفاصيل تفسر رد الفعل المحدود لمؤشر «داكس». فالرقم الرئيسي يبدو إيجابيًا، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلًا قاطعًا على تعافٍ متوازن ومستدام في الصناعة الألمانية.
مبيعات التجزئة تحت المراقبة
ترقب المستثمرون كذلك صدور بيانات مبيعات التجزئة في منطقة اليورو عن يوليو، بحثًا عن مؤشرات على قدرة إنفاق الأسر على دعم النمو في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وعودة التضخم إلى الصعود.
وكان حجم تجارة التجزئة قد انخفض بنسبة 0.3% في منطقة اليورو خلال يونيو مقارنة بمايو، بينما ارتفع بنسبة 0.7% على أساس سنوي. وشمل التراجع الشهري انخفاض مبيعات الأغذية والمشروبات والتبغ بنسبة 0.5%، والمنتجات غير الغذائية بنسبة 0.4%.
وتكتسب بيانات التجزئة أهمية أكبر بعدما ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.3% خلال أغسطس، مدفوعًا أساسًا بزيادة أسعار الطاقة. فإذا أظهرت المبيعات ضعفًا واضحًا، فسيواجه البنك المركزي الأوروبي معادلة أكثر تعقيدًا بين احتواء التضخم وعدم الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
أما بيانات سوق العمل السويسرية لشهر أغسطس، التي أشارت إليها الصياغة الأولية، فمن المقرر صدورها يوم الاثنين 7 سبتمبر، وفقًا لجدول النشر الرسمي، وليست من بين بيانات الجمعة.
بيسنت يشيد بالموقف الأوروبي من إيران
على الصعيد الجيوسياسي، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الاتحاد الأوروبي انضم رسميًا إلى حملة الضغط الاقتصادي التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تحت اسم «عملية العزل الاقتصادي»، مشيدًا بما وصفه بـ«الموقف القوي والمبكر» للاتحاد.
لكن بيان الاتحاد الأوروبي استخدم صياغة أكثر تحفظًا. فقد أكد أن التكتل يرحب بالجهود الرامية إلى دفع إيران نحو وقف الأنشطة المزعزعة للاستقرار والانخراط في مفاوضات سلام، بما في ذلك ممارسة ضغوط اقتصادية إضافية عبر الحملة الأمريكية.
كما أشار الاتحاد إلى أنه فرض بالفعل عقوبات واسعة على إيران، وأنه مستعد لاتخاذ إجراءات إضافية عند الضرورة، مع مواصلة العمل مع الولايات المتحدة وشركاء مجموعة السبع لتحقيق خفض التصعيد وضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
لذلك، لا يتعلق الأمر بموافقة أوروبية على «حزمة أمريكية» محددة، وإنما بتقارب سياسي حول زيادة الضغط المالي على طهران، مع احتفاظ الاتحاد الأوروبي بإطاره القانوني المستقل لفرض العقوبات.
ويتابع المستثمرون هذه التطورات بسبب تأثيرها المحتمل في صادرات النفط الإيرانية وحركة الشحن والتأمين عبر الشرق الأوسط. وأي تشديد إضافي يمكن أن يرفع علاوة المخاطر في أسعار الطاقة، وهو ما قد يجدد الضغوط على الأسهم الأوروبية، خصوصًا القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
العملات تتحرك في نطاق ضيق
في سوق العملات، استقر اليورو أمام الدولار قرب 1.16278 دولار عند نحو الساعة 06:58 بتوقيت غرينتش، بينما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.12% إلى 1.35416 دولار.
ويعكس استقرار العملتين حالة الانتظار التي تسبق تقرير الوظائف الأمريكية. ومن المتوقع أن يُظهر التقرير إضافة الاقتصاد نحو 56 ألف وظيفة خلال أغسطس، بعد فقدان 23 ألف وظيفة في يوليو، مع توقعات باستقرار معدل البطالة قرب 4.1%.
وقد يعزز تقرير ضعيف التوقعات بتثبيت الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر، ما قد يضغط على الدولار ويدعم الأسهم. أما قراءة قوية، خصوصًا إذا صاحبتها ضغوط في الأجور، فقد تعيد رهانات رفع الفائدة وتدفع عوائد السندات إلى الارتفاع.
وبالتالي، لم يكن تراجع الأسهم الأوروبية في بداية الجلسة ناتجًا عن عامل واحد. فالأسواق توازن بين تحسن ظاهري في طلبات المصانع الألمانية، وضعف التفاصيل الأساسية للبيانات، ومخاطر الطاقة والعقوبات على إيران، إلى جانب انتظار تقرير أمريكي قد يعيد تسعير توقعات الفائدة عالميًا.

