محت أسعار النفط خسائرها المبكرة وتحولت إلى الارتفاع بأكثر من 2% خلال تعاملات الخميس، لتسجل أعلى مستوياتها في ستة أسابيع، وسط مخاوف متزايدة من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتعطل مزيد من الإمدادات المارة عبر مضيق هرمز.
وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم أكتوبر بنسبة 2.12% إلى 92.94 دولارًا للبرميل، بحلول الساعة 10:42 بتوقيت جرينتش.
كما صعدت العقود الآجلة لخام برنت تسليم نوفمبر بنسبة 1.80%، لتصل إلى 97.35 دولارًا للبرميل في التوقيت نفسه، مقتربة من حاجز 100 دولار.
وكان الخامان قد بدآ الجلسة على انخفاض، إذ تراجع برنت في التعاملات الآسيوية إلى نحو 95 دولارًا للبرميل، قبل أن تتغير اتجاهات السوق مع تجدد المخاوف الجيوسياسية وتصاعد الحديث عن مخاطر الإمدادات.
وبحلول الساعة 12:00 بتوقيت جرينتش، ارتفع خام غرب تكساس إلى 93.04 دولارًا، بينما سجل برنت 97.29 دولارًا، مع اتجاه الخامين إلى تحقيق مكاسب للجلسة الرابعة على التوالي.
المواجهة الأمريكية الإيرانية تعيد علاوة المخاطر
جاء صعود النفط بعد تجدد الغارات الأمريكية على أهداف داخل إيران، وشن طهران هجمات على مواقع وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.
ومثلت العمليات الأخيرة أكبر تبادل للهجمات بين واشنطن وطهران منذ يوليو، ما بدد جانبًا من الآمال في استئناف المحادثات وأعاد إلى السوق احتمالات استمرار المواجهة لفترة أطول.
كما جددت إسرائيل تهديداتها باستهداف البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية، بما في ذلك منشآت الطاقة، إذا شنت طهران هجمات ضدها. وأسهمت هذه التصريحات في تسارع مكاسب النفط خلال التداولات الأوروبية.
ولا يرتبط قلق المستثمرين بإنتاج إيران وحده، وإنما بموقعها المطل على مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لصادرات النفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج إلى الأسواق العالمية.
حركة السفن تنخفض بشدة عبر هرمز
أكدت إيران أن إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية ستظل مرتبطة بموافقتها وقبول الولايات المتحدة شروطها. لكن وصف المضيق بأنه مغلق بالكامل ليس دقيقًا من الناحية العملية، إذ استمرت بعض السفن في العبور، وإن بمعدلات أقل كثيرًا من المعتاد.
وأظهرت بيانات ملاحية أولية عبور ست سفن تجارية فقط خلال الأربعاء، مقارنة بـ11 سفينة في اليوم السابق، ومتوسط بلغ نحو 13 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة.
كما أضافت إيران مزيدًا من السفن إلى قائمة الناقلات التي تعتبرها غير ملتزمة بالتعليمات، مهددة بفرض غرامات عليها أو مصادرتها أو احتجازها إذا حاولت المرور.
وبالتالي، يواجه المضيق حالة من الإغلاق الجزئي والمرور الانتقائي، وليس توقفًا كاملًا لجميع الشحنات. لكن استمرار القيود وتهديد السفن يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويؤخر التسليمات، ويزيد علاوة المخاطر المضافة إلى سعر كل برميل.
روسيا تتوقع انخفاضًا طفيفًا ومؤقتًا في الإنتاج
تلقت الأسعار دعمًا إضافيًا من تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، الذي أشار إلى أن إنتاج بلاده النفطي سيتراجع بصورة طفيفة خلال 2026 مقارنة بالمستويات المتوقعة.
وقال نوفاك، على هامش المنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك، إن روسيا تشهد بالفعل انخفاضًا جزئيًا في أحجام الإنتاج، مرجعًا ذلك إلى تشغيل بعض مصافي التكرير دون طاقتها الكاملة بسبب أعمال صيانة غير مجدولة.
لكنه شدد على أن الوضع مؤقت، وأن الإنتاج سيبدأ الارتفاع مجددًا مع استئناف المصافي عملياتها واستقرار الأوضاع.
وعليه، لا تمثل تصريحات نوفاك إعلانًا عن خفض طوعي جديد على غرار قرارات «أوبك+»، وإنما اعترافًا بأن الإنتاج الفعلي سيكون أقل قليلًا من التقديرات السابقة نتيجة مشكلات تشغيلية داخل قطاع التكرير.
وأكد المسؤول الروسي أن صادرات النفط الخام لا تزال مستقرة، وأن البنية التحتية المخصصة للتصدير تُستخدم بكامل طاقتها، خصوصًا بعد توسع قدرات الشحن البحري خلال السنوات الماضية.
وكانت مسودة توقعات حكومية قد أشارت إلى احتمال انخفاض إنتاج النفط الروسي خلال 2026 إلى 494.2 مليون طن، بما يعادل نحو 9.88 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ 2009.
كما خفضت الحكومة تقديراتها لإنتاج الفترة الممتدة من 2026 إلى 2029 بما يتراوح بين 16 و20 مليون طن مقارنة بتوقعاتها السابقة، في ظل تداعيات الحرب في أوكرانيا وتضرر بعض المصافي وتراجع إنتاج الوقود. ولا تزال هذه الأرقام أولية، إذ يُنتظر اعتماد التوقعات النهائية بنهاية سبتمبر.
زيادة صادرات العراق تحد من صعود الأسعار
في المقابل، وفرت زيادة الصادرات العراقية بعض التوازن للسوق. فقد رفعت بغداد صادراتها النفطية إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس، مقابل نحو 1.35 مليون برميل يوميًا في يوليو.
وجاءت الزيادة بدعم من الخصومات التي قدمها العراق، إلى جانب حصول بعض الناقلات العراقية على موافقات إيرانية للمرور عبر مضيق هرمز. كما يُتوقع استمرار ارتفاع الصادرات خلال سبتمبر.
ورغم أن هذه الكميات تساعد في تعويض جزء من الإمدادات المتأثرة، فإنها لا تلغي المخاطر المرتبطة باستمرار القيود على الملاحة أو احتمال تعرض الناقلات والمنشآت النفطية لمزيد من الهجمات.
وتشير حركة الأسعار إلى أن السوق لم تعد تتعامل مع التوترات باعتبارها مجرد حدث سياسي قصير الأجل. فمع تراجع المخزونات العالمية واستمرار القيود على هرمز واضطرابات قطاع الطاقة الروسي، أصبحت أي جولة جديدة من الهجمات قادرة على دفع خام برنت بسرعة نحو 100 دولار.
لكن استمرار الصعود سيتوقف على حجم التعطل الفعلي في الإمدادات. فإذا بقيت حركة الناقلات مستمرة ولو بصورة محدودة، وزادت صادرات العراق ودول أخرى، فقد تتراجع علاوة المخاطر. أما إذا اتسعت القيود أو تعرضت منشآت الطاقة وطرق الشحن لهجمات جديدة، فقد يتحول حاجز 100 دولار من مستوى نفسي إلى سعر فعلي في السوق.

