أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة والتوصل إلى اتفاق يخدم مصالح البلدين، لكنه شدد على ضرورة أن يتسم أي تفاهم جديد بالاستقرار والمصداقية، في ظل استمرار التصعيد الجمركي بين أوتاوا وواشنطن.
وقال كارني، خلال تصريحات أدلى بها في مدينة ثاندر باي بمقاطعة أونتاريو، إن الاتفاق الممكن لا يصب في مصلحة العمال والأسر والشركات الكندية فحسب، بل يخدم أيضًا الشركات والمستهلكين والأسر الأمريكية. وأضاف: «نحن مستعدون للجلوس والتوصل إلى هذا الاتفاق عندما يكون الأمريكيون مستعدين»، في إشارة إلى أن باب التفاوض لا يزال مفتوحًا رغم انهيار الجولة الأخيرة من المحادثات.
بوادر مرونة بعد تعثر المفاوضات
أشار كارني إلى حدوث بعض التراجع في المواقف الأمريكية التي كانت تعرقل التوصل إلى اتفاق، موضحًا أن واشنطن تمسكت حتى اللحظات الأخيرة من المفاوضات بمطالب وصفها بأنها تعكس نهج «إما القبول بشروطنا أو لا اتفاق».
وبحسب رئيس الوزراء الكندي، لم تعد الإدارة الأمريكية متمسكة ببعض المطالب المتعلقة باللغة والثقافة الكندية، وهو تطور رحب به باعتباره قد يمهد الطريق أمام استئناف المحادثات.
لكن أوتاوا لا تزال تطالب بأن يوفر أي اتفاق جديد قدرًا كافيًا من اليقين بشأن مستويات الرسوم الجمركية، خصوصًا في قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم. وتخشى الحكومة الكندية توقيع اتفاق يسمح لواشنطن بتغيير الرسوم من جانب واحد لاحقًا، بما يحد من قدرة الشركات على التخطيط للاستثمار والإنتاج.
وتأتي لهجة كارني الأكثر انفتاحًا بعد أيام من انتقاده ما وصفه بالاستفزازات والتعليقات الأمريكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبًا واشنطن بالتعامل بجدية أكبر مع الخلافات التجارية بدلًا من تصعيدها إعلاميًا. ولذلك لا تمثل تصريحاته الجديدة تراجعًا عن موقفه، بقدر ما تعكس فصلًا بين استعداده للتفاوض ورفضه إبرام اتفاق يفتقر إلى الضمانات.
رسوم أمريكية ورد كندي مرتقب
فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، تشمل منتجات مثل الأثاث والملابس ومنتجات الألبان والنبيذ والأسمنت ومعدات الصيد والهوكي. وتغطي الإجراءات صادرات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار أمريكي، أو نحو 27.6 مليار دولار كندي.
وجاءت الرسوم عقب انهيار المحادثات في أغسطس، بعدما تبادل الجانبان الاتهامات بشأن المسؤولية عن إفشال المفاوضات. وقالت أوتاوا إن الولايات المتحدة قدمت في اللحظات الأخيرة شروطًا غير عادلة اقتصاديًا وقد تؤثر في قدرة كندا على عقد اتفاقات تجارية مستقلة، بينما اتهمت واشنطن الحكومة الكندية برفض ما وصفته بأفضل عرض متاح.
وردًا على الإجراءات الأمريكية، تعتزم كندا فرض رسوم مضادة اعتبارًا من 8 سبتمبر على واردات أمريكية بالقيمة نفسها تقريبًا. وستتراوح الرسوم بين 15% و25% و50% وفقًا للسلعة، مع استهداف قطاعات تشمل الصلب والألومنيوم ومنتجات الألبان والأجهزة المنزلية والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات.
كما أعلنت الحكومة الكندية حزمة جديدة بقيمة 7.5 مليار دولار كندي لدعم الشركات والعمال المتضررين، تضاف إلى مساعدات سابقة قاربت 25 مليار دولار كندي منذ بدء موجة الرسوم الأمريكية.
اقتصادان يدفعان تكلفة التصعيد
رغم أن الرسوم الأمريكية الجديدة تغطي نحو 5% فقط من إجمالي الصادرات الكندية المتجهة إلى الولايات المتحدة، فإن أثرها قد يكون حادًا على الشركات الصغيرة وبعض الصناعات التي تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأمريكية.
ويزيد اعتماد كندا على جارتها الجنوبية من صعوبة إطالة أمد المواجهة. فقد استحوذت الولايات المتحدة على نحو 66.35% من إجمالي الصادرات الكندية خلال يوليو، حتى بعد تراجع هذه الحصة من 72.64% قبل عام. كما انخفضت الصادرات الكندية إلى السوق الأمريكية بنسبة 6.6% خلال الشهر، بينما تقلص فائض كندا التجاري مع الولايات المتحدة بأكثر من 40% إلى 5.9 مليار دولار كندي.
وفي المقابل، لا تقتصر أضرار التصعيد على الجانب الكندي. فالرسوم المضادة قد ترفع تكلفة السلع والمدخلات الكندية داخل الولايات المتحدة، بينما تزيد الإجراءات الانتقامية تكلفة بعض الواردات بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين الكنديين. كما يهدد استمرار النزاع سلاسل توريد مترابطة منذ عقود، خصوصًا في صناعات السيارات والمعادن والمعدات.
اتفاق ممكن.. لكن بشروط مختلفة
تدعم تصريحات كارني محاولة للإبقاء على نافذة دبلوماسية مفتوحة قبل بدء تطبيق الرسوم الكندية المضادة. لكن الاستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات لا يعني أن الخلافات الجوهرية انتهت. فأوتاوا تريد اتفاقًا طويل الأجل يوفر للشركات وضوحًا بشأن الرسوم، ويحافظ على تنافسية قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم، ولا يفرض قيودًا على السيادة التجارية أو القضايا الثقافية الكندية. أما واشنطن فتسعى إلى شروط أوسع تمنح منتجاتها معاملة أفضل وتعيد تشكيل العلاقة التجارية وفقًا لأولويات إدارة الرئيس دونالد ترامب.

