جدد هيو بيل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، دعوته إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، من 3.75% إلى 4%، معتبرًا أن التحرك المبكر قد يساعد في منع صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط من التحول إلى موجة تضخمية أكثر رسوخًا داخل الاقتصاد البريطاني.
وقال بيل، في كلمة أمام غرفة تجارة إدنبرة يوم الخميس، إن زيادة الفائدة الآن لا تعني بالضرورة بداية دورة طويلة أو حادة من التشديد النقدي. وعلى العكس، يرى أن التحرك المحدود والمبكر قد يقلل احتمال اضطرار بنك إنجلترا إلى تنفيذ زيادات أكبر في المستقبل إذا أصبحت الضغوط التضخمية أكثر انتشارًا واستمرارًا.
لماذا يفضل بيل التحرك الآن؟
تتمثل مخاوف بيل الأساسية في أن ارتفاع أسعار النفط والغاز لن يظل محصورًا في فواتير الطاقة والوقود، بل قد ينتقل تدريجيًا إلى تكاليف الإنتاج والنقل والأجور وأسعار السلع والخدمات.
وفي المرحلة الأولى، ترفع صدمة الطاقة تكلفة البنزين والكهرباء والتدفئة مباشرة. ثم تبدأ الشركات في مواجهة تكاليف تشغيل ونقل وإنتاج أعلى، ما يدفع بعضها إلى زيادة أسعار منتجاتها.
لكن الخطر الأكبر، من وجهة نظر بيل، يظهر عندما يحاول العمال تعويض تراجع قدرتهم الشرائية من خلال المطالبة بأجور أعلى، بينما ترفع الشركات أسعارها للحفاظ على هوامش أرباحها. وإذا تكررت هذه العملية، فقد يتحول الارتفاع المؤقت في الأسعار إلى تضخم محلي مستمر، وهو ما يعرف بـ«آثار الجولة الثانية».
ويرى بيل أن هذه الآثار قد تكون أقوى مما تفترضه النماذج الاقتصادية التقليدية، حتى في ظل وجود قدر من الضعف في سوق العمل. وأشار إلى أن تجربة التضخم خلال عامي 2022 و2023 ربما جعلت الأسر والشركات أكثر انتباهًا لتحركات الأسعار، وأكثر سرعة في تعديل قرارات الأجور والتسعير عند ظهور صدمة جديدة.
عدم يقين يصعب انتظاره
أوضح كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا أن عوامل سياسية وتكنولوجية قد تضع، بمرور الوقت، حدودًا دنيا وعليا لأسعار الطاقة العالمية. لكن تحرك الأسعار داخل هذا النطاق يظل شديد الصعوبة في التنبؤ به، بسبب تعقيد التطورات الجيوسياسية واحتمال تجدد التصعيد في الشرق الأوسط.
ووصف بيل الوضع بأنه أقرب إلى «عدم اليقين الجذري» منه إلى المخاطر التقليدية التي يمكن قياسها باحتمالات واضحة. فصانع السياسة لا يعرف بدقة حجم الصدمة المقبلة، ولا المدة التي ستستمر خلالها تقلبات الطاقة.
ولهذا يتحفظ بيل على استراتيجية الانتظار حتى تتضح الصورة بالكامل. فمن وجهة نظره، قد يستغرق ظهور آثار التضخم غير المباشرة وقتًا طويلًا، خصوصًا مع إعادة التفاوض على الأجور والعقود والأسعار. وعندما تصبح هذه الآثار واضحة في البيانات، قد يكون احتواؤها أكثر تكلفة.
ولا يستطيع بنك إنجلترا خفض أسعار النفط أو منع ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية. لكن يمكنه استخدام سعر الفائدة للحد من انتقال الصدمة إلى الطلب المحلي والأجور والأسعار، والحفاظ على ثقة الأسر والشركات في عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2%.
انقسام داخل لجنة السياسة النقدية
أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% خلال اجتماعه المنتهي في 29 يوليو، بأغلبية ستة أعضاء مقابل ثلاثة. وصوت بيل إلى جانب ميجان جرين وكاثرين مان لصالح رفع الفائدة إلى 4%.
ورأى أعضاء الأغلبية أن بقاء الفائدة عند مستواها الحالي، إلى جانب ارتفاع عوائد السندات وتشديد الأوضاع المالية، يوفر قدرًا كافيًا من الحماية في الوقت الراهن. كما فضلوا انتظار أدلة أوضح على انتقال صدمة الطاقة إلى الأجور والأسعار المحلية.
أما بيل والعضوان الآخران، فاعتبروا أن التحرك الاستباقي أقل تكلفة من الانتظار ثم اكتشاف أن التضخم أصبح أكثر صعوبة في السيطرة عليه.
ويعكس هذا الانقسام خلافًا بشأن توقيت التحرك أكثر من كونه خلافًا حول وجود المخاطر. فجميع الأعضاء يدركون أن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يدفع التضخم إلى الصعود، لكنهم يختلفون حول ما إذا كانت الفائدة الحالية كافية، أم أن الأمر يتطلب زيادة وقائية إضافية.
التضخم البريطاني يعود إلى الارتفاع
تأتي تصريحات بيل بعدما ارتفع معدل التضخم السنوي في المملكة المتحدة إلى 2.9% خلال يوليو، مقابل 2.6% في يونيو، ليبتعد مجددًا عن مستهدف بنك إنجلترا البالغ 2%.
ومع ذلك، جاءت التفاصيل أقل حدة من الرقم الرئيسي؛ إذ استقر التضخم الأساسي عند 2.6%، بينما تباطأ تضخم الخدمات من 3.6% إلى 3.4%. وتوفر هذه البيانات بعض الدعم لأعضاء لجنة السياسة النقدية الذين يفضلون الانتظار، لأنها لا تظهر حتى الآن تسارعًا واسع النطاق في الضغوط المحلية.
لكن مسحًا حديثًا لقطاع الخدمات البريطاني أظهر ارتفاع عدد الشركات التي أبلغت عن زيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج وأسعار البيع خلال أغسطس. كما ارتفع مؤشر مديري المشتريات الخدمي إلى 52.5 نقطة، مسجلًا أقوى نمو منذ أبريل، وهو ما يشير إلى تحسن النشاط بالتزامن مع عودة ضغوط التكلفة.
الأسواق لا تتوقع رفعًا فوريًا
رغم موقف بيل، لا تزال الأسواق ترى أن رفع الفائدة في اجتماع بنك إنجلترا المقرر في 17 سبتمبر احتمال غير مرجح نسبيًا. وأظهرت أسعار العقود المرتبطة بالفائدة أن احتمال زيادة قدرها 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل يدور حول 15% فقط، لكنه يرتفع إلى أكثر من 70% عند اجتماع نوفمبر.
وتعني زيادة الفائدة إلى 4% ارتفاع تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الأسر والشركات، كما قد تضيف ضغوطًا على سوق الرهن العقاري والنمو الاقتصادي. لكنها قد تدعم الجنيه الإسترليني وتساعد في احتواء توقعات التضخم، خصوصًا إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.

