المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإصلاحات في أوروبا ربما تأتي بثمن باهظ


ابو تراب
28-02-2011, 09:28 AM
يتعين على صناع السياسات الأوروبيين أن يتخذوا في الأسابيع المقبلة، قراراً بشأن إجراء إصلاح شامل لإدارة الاتحاد النقدي الأوروبي. وكمبدأ استرشادي، أعلن المجلس الأوروبي وبوضوح ـــ وفي رأيي عن حق ـــ أن الأسس الرئيسة للاتحاد النقدي الأوروبي ولمعاهدة الاتحاد الأوروبي يجب أن تُحترم. وهذا يعني أن مبادئ الإعانات، ومسؤولية البلدان الفردية، وعدم الإنقاذ تظل أساسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار، ما الأركان الأساسية التي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان في موضوع إصلاح إدارة الاتحاد النقدي الأوروبي؟ أولاً وقبل كل شيء، يترك الأمر للبلدان الأعضاء نفسها لتقوم بتوحيد ميزانياتها العامة والبدء بإجراء إصلاحات اقتصادية شاملة. وتعد المساعدة المالية أداة لشراء بعض الوقت وتسهيل هذه العملية. وفي مقابل هذه الخلفية، تعد الأدوات الحالية الخاصة بوضع حلول للأزمات في المدى القصير كافية، ولا ينبغي أن يجرى عليها تعديل كبير، رغم المطالب المتكررة التي تنادي بعكس ذلك. وفيما يتعلق بمنع وقوع الأزمات مستقبلاً، سيكون من الجوهري وضع الحوافز الصحيحة للسياسات التي تحقق الاستقرار في البلدان الأعضاء. وعلاوة على ذلك، يجب تحسين عملية تنظيم الأسواق المالية والإشراف عليها من أجل زيادة قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات بشكل كبير. وأخيراً، في حال حدوث أزمة، رغم ذلك، تقوم الحاجة لآلية حلول لا تقلل المسؤولية الفردية للدول الأعضاء والمشاركين في السوق. في ضوء ما ذكر، تمثل القرارات التي اتخذها المجلس الأوروبي خطوة في الاتجاه الصحيح: وجوب تعزيز معاهدة الاستقرار والنمو، رغم أنني أخشى من أن تكون المقترحات المطروحة على الطاولة حالياً أقل مما هو مطلوب وعرضة لخطر تعريضها إلى مزيد من الضعف في سياق العملية السياسية. وسيتم تعزيز الرقابة على الاقتصاد الكلي من أجل تتبع التطورات الهيكلية داخل الدول الأعضاء التي يمكن أن تلحق الضرر ببقية الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي. وفي هذا السياق، من الأهمية بمكان أن يظل تركيز العملية منصباً على الاختلالات الكبيرة، وأن يتم تجنب أي تعديلات غير منتجة على صعيد الاقتصاد الكلي.

وزيادة على ذلك، إذا تبين أن هذه التدابير الوقائية غير كافية، ستكون الآلية الأوروبية للاستقرار متوافرة كوسيلة لحل الأزمات في حال وجود خطر يتهدد استقرار منطقة اليورو ككل. إن خصائص هذه الآلية كما تم اعتمادها من قبل المجلس الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) 2010، مستقاة من التصميم الحالي للصندوق الأوروبي للاستقرار المالي. وتحديداً سيتم تقديم الدعم المالي بأسعار فائدة غير متساهلة قط، وستكون مشروطة بتنفيذ برنامج تعديل قاس. وفيما يتجاوز الصندوق الأوربي للاستقرار المالي، يجب أن تسمح المواد الخاصة بالعمل الجماعي بإجراء عملية أسهل لإعادة جدولة الديون في حالة الإفلاس. وأكثر من ذلك، ستتم حماية دافعي الضرائب في البلدان الأعضاء الأخرى بإعطائهم وضع الدائن المفضل. هذه الملامح الأساسية ينبغي أن تمكن النظام من القيام برد سريع على الأزمات من دون تقويض الحوافز الخاصة بالسياسات المالية المستدامة في الدول الأعضاء، أو تعريض دافعي الضرائب في الدول الأعضاء الأخرى إلى أخطار لا لزوم لها. في مقابل هذه الخلفية، أشعر بنوع من الشك في بعض المقترحات الداعية إلى توسيع نطاق الإطار المتفق عليه، أو تخفيف شروطه. وإذا تم تنفيذ هذه المقترحات، فإنها ستؤدي إلى إضعاف مسؤولية المشاركين في الأسواق المالية ومسؤولية الدول الأعضاء، وإلى تقليص الحوافز الخاصة باتباع سياسات مالية سليمة، ومرة أخرى إلى تحويل المخاطر لدافعي الضرائب في الدول الأعضاء الأخرى. ولذلك أرى خطراً في خفض أسعار الفائدة على عمليات الاقتراض من آلية الاستقرار الأوروبية إلى مستويات تقل كثيراً عن الشروط الخاصة بالاقتراض من الصندوق الأوروبي للاستقرار المالي، وبذلك يتم إصدار سندات أوروبية من الباب الخلفي. وحسب رؤيتي، لا ينبغي إدخال عمليات شراء السندات في الأسواق الثانوية في آلية الاستقرار الأوروبية. أولاً، إن سلوك هذه المشتريات سيتعرض إلى مشاكل كبيرة تتعلق بالإدارة التشغيلية وذلك من حيث حجمها، وتوقيتها، وشروطها. ثانياً، في ضوء الدعم المباشر لآلية الاستقرار الأوروبية، ستكون الدول الأعضاء التي تواجه متاعب محمية بالفعل من أسعار الفائدة العالية في السوق. ثالثاً، عمليات شراء السندات في السوق الثانوية بهدف إعادة شراء الدين لن تكون فقط طريقة غير فعالة لتخفيض عبء الدين؛ لأن تحقيق أثر ذي شأن يتطلب كميات كبيرة جداً، بل تشكل أيضاً تحويلاً من الدول الأعضاء الأخرى - تحويلاً سيكون أعلى كلما انخفض سعر الفائدة التي يتم تقاضيها على قروض إعادة الشراء من آلية الاستقرار الأوروبية. رابعاً، يجادل مؤيدو عمليات الشراء في السوق الثانوية بأن هذه العمليات تعمل على استقرار أسعار السندات، ونتيجة لذلك تحقق الاستقرار في الأسواق المالية أيضاً. وفي حين يمكن أن يكون ذلك صحيحاً، أشك فيما إذا كانت عمليات الشراء هذه طريقة فعالة لتحقيق ذلك الهدف. ولا ينبغي أن ننسى تجربتنا المتمثلة في وضع أدوات لتحقيق الاستقرار في القطاع المصرفي في عدة بلدان أعضاء في أوج الأزمة المالية. في ذلك الوقت اعتبرت عمليات شراء الموجودات أدوات مكلفة لم تكن موجهة بشكل جيد في ضوء المشاكل المرتقبة. وهذه الاعتبارات تنطبق أكثر في سياق أوروبي أكثر تعقيداً. أخيراً، عمليات الشراء في السوق الثانوية، إضافة إلى وضع الدائن المفضل المبرر والضروري لقروض آلية الاستقرار الأوروبية يمكن أن تهدد استقرار الأسواق المالية، لأن المخاطر التي سيتعرض لها حملة السندات الخاصة المتبقون ستزداد كثيرا، وبذلك يزداد عليهم الضغط بشكل كبير لكي يبيعوا. لقد شكلت الأزمة الراهنة تحدياً للمبادئ التأسيسية للاتحاد النقدي الأوروبي. ومع ذلك هذا الاتحاد يمكن أن يخرج أقوى وأكثر مرونة من ذي قبل. ولتحقيق تلك الغاية يتعين أن تعمل القرارات المتعلقة بإدارة الاتحاد النقدي الأوروبي على تقوية وليس الالتفاف على المبادئ الأساسية الخاصة بالإعانات، ومسؤولية البلدان الأعضاء وعدم الإنقاذ، كما وردت عند إطلاق الاتحاد النقدي. وهذه فرصة لا يجب إضاعتها.

الكاتب الرئيس المنتهية ولايته للبنك المركزي الألماني ''بوندسبانك''.