في أول إطلالة برلمانية كبرى له منذ توليه قيادة البنك المركزي الأكثر تأثيراً في العالم، رسم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، ملامح مرحلة مغايرة تماماً لسياسة التواصل والنقد في الولايات المتحدة، متعهداً بإصلاح شامل لأساليب التواصل وإعادة هيكلة السياسات الموروثة عن أسلافه. شهدت جلسة استماعه المنتظرة أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب الأمريكي يوم الثلاثاء، توجيه رسائل حاسمة للأسواق وصناع القرار، تمحورت حول استقلالية البنك، والسيطرة الصارمة على التضخم، وضبط وتيرة التصريحات العامة.
إصلاح جذري في لغة التواصل وانتقاد مبطن لباول
تعهد وارش بإجراء تغيير جذري وشامل في طريقة تواصل الاحتياطي الفيدرالي مع الجمهور والأسواق، بهدف تبني نهج مختلف كلياً عن أسلافه. وأكد أمام اللجنة على ضرورة أن يتحدث صناع السياسة النقدية “بإخلاص وهدف” ودون مبالغة في الظهور الإعلامي. في انتقاد بدا موجهاً بشكل مباشر لسلفه جيروم باول، انتقد وارش الظهور المتكرر والمكثف في المناسبات العامة، قائلاً:
“نريد وضع السياسات الصحيحة أولاً، وأعتقد أن توخي الحذر الشديد في تواصلنا الإعلامي، على الأقل بالنسبة لي، هو السبيل الأمثل لتحقيق العدالة وحماية كفاءة البنك.”
التزام حديدي بالاستقلالية وصمود أمام الضغوط السياسية
وفي سياق الرد على التساؤلات الحساسة حول علاقة البنك بالبيت الأبيض، أكد وارش مجدداً أن الاحتياطي الفيدرالي بنك مركزي مستقل تماماً، معرباً عن “فخره” البالغ بهذه الاستقلالية التي أظهر التزامه بها خلال الأسابيع الأولى من ولايته. وعندما واجه سؤالاً مباشراً من أعضاء اللجنة عما سيفعله إذا حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل في قرارات الفائدة أو عمل البنك، أجاب وارش بنبرة حازمة:
“سأواصل أداء واجبي الدستوري والقانوني فقط.”
ومع ذلك، أوضح وارش أهمية التمييز الواضح بين السياسة النقدية والسياسة المالية، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تدخل البنك في الأسواق أثناء الأزمات الطارئة، مستشهداً بقرارات التدخل في أزمة 2008 وجائحة 2020. وحول فرق العمل الخاصة التي شكلها مؤخراً، أشار إلى أنها في مرحلة الاستكشاف الفني وستقدم تقاريرها مباشرة لصناع السياسات في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أولاً.
إطار تضخم 2020 كان “خطأً” فادحاً ونحن نتحمل المسؤولية
لم يتردد رئيس الفيدرالي الجديد في توجيه نقد لاذع لإطار عمل البنك المركزي الذي تم إقراره في عام 2020، والذي كان يهدف علناً إلى رفع معدلات التضخم لمستويات أعلى مما كانت عليه آنذاك للتغلب على الركود. وعلق قائلاً:
“لم يكن الفيدرالي أول بنك مركزي في التاريخ يطلب زيادة طفيفة ومؤقتة في التضخم، لينتهي به الأمر إلى مواجهة قفزة تضخمية هائلة وغير قابلة للسيطرة.”
ووصف وارش هذا الإطار بأنه كان “خطأً صريحاً” لفشله في تحقيق أهدافه واستقرار الأسعار، معرباً عن ارتياحه لتخلي أسلافه عنه في نهاية المطاف. وأضاف أنه على الرغم من طبيعية وقوع صانعي السياسات في الخطأ أحياناً، إلا أنه من الواجب التنبيه عليها وتصحيحها فوراً، مؤكداً أن الفيدرالي يمتلك الآن القدرة الكاملة للتعامل مع المشهد ولن يلقي باللوم على أحد في تحمل مسؤولياته.
التضخم “خيار” وهدف الـ 2% لا تنازل عنه
وفي إحدى أقوى عباراته خلال الجلسة، شدد وارش على أن “التضخم هو خيار في نهاية المطاف”، مشيراً إلى أن واجب صانعي السياسة الاقتصادية هو اختيار أسعار أقل للمواطنين. وجدد التزام الفيدرالي الصارم بالوصول إلى مستهدفه التقليدي للتضخم البالغ 2% وتحقيق استقرار الأسعار، مضيفاً:
“ليس هذا وقت التهرب أو إلقاء اللوم على جهات أخرى. الفيدرالي قادر على حماية استقرار الأسعار وسيفعل ذلك؛ فنحن نمتلك الأدوات الفعالة لتحقيق الهدف.”
ورغم نبرته المتشددة، أقر وارش بوجود عوامل جيوسياسية خارجية معقدة خارجة عن إرادة البنك المركزي ولها تأثير مباشر على الأسعار، مشيراً بالذكر إلى التطورات العسكرية المتلاحقة والتصعيد في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على سلاسل الإمداد.
السياسة النقدية السليمة ستجعل التضخم جزءاً من الماضي
وفي كلمته الرسمية المكتوبة، طمأن وارش الأسواق بأن النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة ويحافظ على مرونته العالية؛ لافتاً إلى أن استهلاك الأسر ينمو بمعدل معتدل، والبطالة مستقرة عند مستويات منخفضة، رغم إقراره باستمرار تباطؤ قطاع الإسكان وتخلفه عن ركب التعافي.
واختتم وارش رؤيته مؤكداً أنه إذا أحسن البنك المركزي تطبيق أدوات السياسة النقدية في هذه المرحلة الحاسمة، فإن الارتفاع الحاد في التضخم الذي عانت منه البلاد طوال السنوات الخمس الماضية سيصبح قريباً جداً مجرد جزء من الماضي، مشيراً إلى أن فرق العمل الخمسة التي عينها لدراسة محركات التضخم وتقييم الأفكار الجديدة ستضمن حفاظ الفيدرالي على أقصى درجات الكفاءة والتركيز.






أضف تعليق